من الغابات العمودية إلى الممرات البيئية العابرة للقارات، يدعو المعماري والمخطط الحضري ستيفانو بويري المدن إلى إعادة النظر في علاقتها بالطبيعة، ليس بوصفها عنصرًا جماليًا، بل كشرط أساسي لاستمرار الحياة. وفي ظل تسارع مشاريع التحديث العمراني، يطرح سؤالًا جوهريًا: هل أصبحت الطبيعة عنصرًا اختياريًا في مدننا؟
مدن بلا طبيعة لن تستمر - رؤية ستيفانو بويري لعمارة خضراء تعيد تشكيل المدن
لطالما ارتبط تاريخ المدن الحديثة بفكرة الإقصاء. فعلى مدى 200 ألف عام، عاش الإنسان في تواصل مباشر مع الغابات والأراضي الرطبة والبيئات الطبيعية المفتوحة. لكن خلال الـ200 عام الماضية، انتقلنا إلى تجمعات عمرانية صلبة، أبعدت الطبيعة إلى أطراف حياتنا اليومية.
وخلال مشاركته في معرض سيتي سكيب العالمي، دعا المعماري والمخطط الحضري العالمي ستيفانو بويري إلى إعادة التفكير في هذا الانفصال المصطنع بين الإنسان والطبيعة. وبصفته صاحب رؤية مشروع “الغابة العمودية” في ميلانو، يؤكد بويري أن إعادة دمج الطبيعة في النسيج الحضري لم تعد خيارًا تصميميًا، بل ضرورة ترتبط بمستقبل المدن واستدامتها.
1. الطبيعة بوصفها نسيجًا حضريًا جديدًا
يرى بويري أن ارتباط الإنسان بالطبيعة متجذر في تكوينه البيولوجي. فمعظم تاريخ البشرية ارتبط بالعيش داخل النظم البيئية الطبيعية، وما زالت أدمغتنا تحتفظ بهذا الارتباط العميق.
وعندما نبني مدنًا قائمة بالكامل على الخرسانة والزجاج والفولاذ، فإننا نصنع بيئات تخدم الإنسان بشكل محدود، وتستبعد بقية عناصر الحياة. وتشير التقديرات إلى أن هذه البيئات الحضرية مسؤولة اليوم عن نحو 75% من الانبعاثات العالمية للغازات الدفيئة.
لذلك، يدعو بويري إلى تجاوز مفهوم “الحديقة المنعزلة”، نحو تصور جديد تصبح فيه المدينة نفسها امتدادًا للطبيعة.
2. الغابة العمودية: نموذج عمراني حي
قبل 11 عامًا، أطلق مكتب بويري في ميلانو مشروعًا أعاد تعريف العلاقة بين الأبراج والطبيعة: “الغابة العمودية”.
لا يقتصر المشروع على إضافة نباتات إلى الشرفات، بل يمثل نظامًا بيئيًا متكاملًا داخل المبنى.
أبرز ملامح المشروع:
- يضم أكثر من 21 ألف نبتة و800 شجرة
- يساهم في خفض استهلاك الطاقة وتحسين إدارة المياه وامتصاص التلوث الحضري
- يقدّم نموذجًا عمليًا لعمارة خضراء قابلة للتطبيق على نطاق أوسع
وأشار بويري إلى مشروع “ترودو الغابة العمودية” في مدينة أيندهوفن، باعتباره دليلًا على إمكانية تقديم هذا النوع من العمارة بأسعار مناسبة لشريحة أوسع من السكان.
ويقول:
“ما أنجزناه في ميلانو يمكن تطويره بطريقة تجعل هذا النموذج متاحًا للجميع.”
3. سبعة محاور لمدن أكثر خضرة
لتوسيع نطاق هذا التصور، طرح بويري سبعة محاور رئيسية لتحويل الفراغات الحضرية إلى مساحات طبيعية فعّالة:
- تطوير الحدائق والمساحات الخضراء التقليدية
- تحويل الأسطح والواجهات إلى عناصر نباتية منتجة
- إعادة إحياء الساحات والمساحات المهملة عبر الغابات المصغرة
- دعم مبادرات الزراعة المجتمعية
- إنشاء ممرات خضراء تربط الحدائق والمناطق البيئية
- تصميم المباني باعتبارها كائنات حية
- تطوير أحزمة تشجير واسعة حول المدن
4. من ميلانو إلى الرياض: الابتكار في البيئات الجافة
يشكّل المناخ الجاف أحد أبرز التحديات أمام العمارة الخضراء. ويعمل بويري حاليًا على تطبيق مفهوم الغابة العمودية في مدن مثل القاهرة وعدد من مدن الإمارات، حيث تصبح إدارة المياه واختيار النباتات عنصرين أساسيين في نجاح المشروع.
ويؤكد أن الجهود التي تُنفذ ضمن إطار رؤية السعودية 2030 ومبادرة السعودية الخضراء أصبحت مرجعًا مهمًا في هذا المجال.
ومن خلال دمج الطاقة الشمسية مع تقنيات الري الحديثة، تتحول الرياض إلى منصة عملية لتطوير حلول عمرانية ستكون مطلوبة مستقبلًا في مناطق عديدة من العالم مع تصاعد آثار التغير المناخي.
5. “الحديقة العالمية”: المملكة كمحور للربط البيئي
تمتد رؤية بويري إلى ما هو أبعد من المباني الفردية، نحو تصور عالمي يقوم على إنشاء ممرات بيئية تربط بين أهم مناطق التنوع الحيوي حول العالم.
وبفضل موقعها الجغرافي، تقع المملكة العربية السعودية عند تقاطع اثنين من أبرز الممرات البيئية العالمية. ومن خلال مشاريع التشجير الواسعة والسياسات طويلة المدى، تسهم المنطقة في صياغة نموذج حضري أكثر استدامة ومرونة.
ويقول بويري:
“ما نعمل عليه اليوم هنا سيكون ذا قيمة لبقية العالم.”
انضم إلى الحوار في معرض سيتي سكيب العالمي 2026
تُرسم اليوم ملامح مدن المستقبل برؤية تضع الطبيعة في قلب التخطيط الحضري. ومع دمج المشهد الطبيعي والهندسة والتجربة الإنسانية داخل المدن، تظهر نماذج عمرانية أكثر مرونة وجودة للحياة.
كن جزءًا من الرؤية في معرض سيتي سكيب العالمي 2026.
- التاريخ: 16–19 نوفمبر 2026
-المكان: الرياض، المملكة العربية السعودية
-احصل على تذكرتك: هنا