لطالما هيمنت البنية التحتية والأتمتة والبيانات على النقاش العالمي حول المدن الذكية، لكن في خضم سعينا المحموم لبناء بيئات حضرية متطورة تقنيًّا، هل غفلنا عن العنصر الذي يجعل المدن تزدهر حقًّا – سكانها؟
ذكية .. لكنها إنسانية: رؤية عالم مستقبليات مرموق وعمدة سابقة حول مستقبل المدن
في حوار ثري جمع بين الدكتور ديريك وودغيت، رئيس وكبير علماء المستقبليات في "ذا فيوتشرز لاب"، والذي قدم استشارات لأكثر من 170 حكومة وبلدية، وجوان أندرسون، أول امرأة من أصول إفريقية تُنتخب مباشرةً لمنصب العمدة في المملكة المتحدة، تحولت دفة النقاش من الحديث عن التقنيات المادية إلى الحديث عن الإنسان. ومن خلال وجهتي نظريهما، تجلت بوضوح هذه الحقيقة الجوهرية: عظمة المدن لا تُقاس بقدراتها الرقمية فحسب، بل بقدرتها على تعزيز الشمول واحتضان الجميع وترسيخ الشعور المشترك بالانتماء.
1- مدينة تتخطى الحجارة
رغم أن العمارة والبنى التحتية والابتكارات هي ما يحدد ملامح الهيكل الخارجي للمدينة، إلا أن روحها تكمن في قصص أهلها وحكايات ساكنيها. ويذهب د. وودغيت إلى أن مستقبل التطوير الحضري يجب أن يتخطى حدود مقاييس الكفاءة المجردة ويتعامل مع تعقيدات التطور الاجتماعي؛ إذ ينبغي أن تُصمم المدن لا لتحقيق وظائفها العملية فحسب، بل لتلامس الوجدان أيضًا، فتكون مرآة للتنوع الثقافي، وموطنًا لتعزيز الروابط المجتمعية، وحاضنةً تتجاوب مع الاحتياجات الإنسانية المستجدة.
ومن واقع تجربتها كعمدة سابقة لمدينة ليفربول، قدمت جوان أندرسون رؤية واقعية حول ازدواجية المدينة؛ إذ رغم كونها مدينة تشتهر بسياحتها النشطة وإرثها الكروي العالمي، إلا أن التفاوت في توزيع الفرص لا يزال قائمًا بين مختلف أحيائها. وتؤكد تجربتها حقيقة مهمة مفادها: حتى المدن ذات الشهرة العالمية يمكن أن تهمش شرائح من سكانها إذا لم يكن النمو مصممًا ليشمل الجميع منذ البداية.
2- دور السياسات في التنمية الحضرية المتمحورة حول الإنسان
خلال توليها منصب العمدة، طبقت جوان أندرسون نهجًا في الحوكمة أطلقت عليه "نظام القفل الثلاثي" لضمان تقييم كل سياسة أو مشروع بناءً على ثلاثة عوامل رئيسية: الأثر الاجتماعي – كيف ستخدم هذه المبادرة المجتمع المحلي؟ العدالة والشمول – هل يلبي هذا المشروع احتياجات جميع السكان على قدم المساواة؟ الاستدامة البيئية – ما هي الآثار البيئية المترتبة على هذا القرار؟
أعاد هذا النهج صياغة الحوكمة من كونها نمطًا يقوم على مجرد التنفيذ الآلي للإجراءات إلى عملية تحول حقيقية، وأصبحت الفعاليات الكبرى ومشاريع التطوير الضخمة بمثابة تجسيد عملي لهذه الفلسفة، فعلى سبيل المثال، لم تكن مسابقة الأغنية الأوروبية مجرد حدث احتُفي به باعتباره محطة بارزة في تاريخ المدينة، بل تحولت إلى أداة للمشاركة المجتمعية، مما ضمن امتداد مكاسبها إلى المدارس ودور الرعاية والمجتمعات المهمشة، وليس فقط إلى الأحياء المركزية.
وكذلك كان الحال مع مشروع ملعب إيفرتون، فهو لم يُفرض على المجتمع كأمر واقع، بل جاء كثمرة تعاون معه بعد أكثر من عقد من المشاورات. والنتيجة: مشروع ينسجم مع القيم المحلية ويعكس تطلعات السكان.
3- الموازنة بين التقدم التقني والشمول الاجتماعي
مع ازدياد اعتماد المدن على البيانات ودمج تقنيات الذكاء الاصطناعي، قد نقع في فخ ربط التقدم بالتطور الرقمي وحده، لكن د. وودغيت يشدد على ضرورة أن توازن المدينة بين البنية التحتية الذكية ورفاه الإنسان؛ إذ التقنية وسيلة وليست غاية، والمدينة "الذكية" بحق لا تُقاس بمدى ترابط أنظمتها، بل بعمق فهمها ودعمها لحياة ساكنيها.
وتؤكد العمدة أندرسون على هذه النقطة قائلة: "المدينة التي لا تعرف سكانها لا تستحق أن توصف بالذكية." ومع انتشار الأتمتة والمنصات الرقمية والخدمات الافتراضية، يجب على المدن أن تبادر إلى سد الفجوة الرقمية وأن تستثمر في تنمية الوعي الرقمي، وإلا فإن الابتكار قد يتحول إلى مصدر جديد لتعميق التفاوت الاجتماعي.
4- تجاوز الصورة النمطية: إعادة اكتشاف هوية المدن
من الأسئلة الجوهرية التي طُرحت خلال النقاش: ما الذي يحدد هوية المدينة؟ إن كثيرًا من المدن تُعرف عالميًّا بأنشطة بعينها، فدبي مركز للرفاهية، ونيويورك عاصمة مالية، وليفربول تشتهر بتراثها الموسيقي والرياضي. ومع ذلك، فالهوية الحقيقية للمدينة تتجاوز هذه التصنيفات.
تُقدم ليفربول مثالًا حيًّا على كيف يمكن للمدن أن تتطور متجاوزةً هوياتها التقليدية؛ فبينما تحظى بشهرة عالمية بفضل إرثها الموسيقي وثقافتها الكروية، تسعى المدينة إلى إعادة رسم مستقبلها من خلال الاستثمار في قطاعات مثل علوم الحياة والابتكارات الصحية، وتأتي المبادرات الرائدة – مثل معهد الجوائح – لتسهم في ترسيخ مكانة ليفربول كمركز للتأهب الصحي والريادة الطبية على الصعيد العالمي، مما ساعدها على تجاوز هويتها الثقافية والرياضية التقليدية.
5- مستقبل المدن: هل تأهبنا له؟
عند النظر إلى المستقبل، يتضح أن مستقبل الحياة الحضرية لا يمكن تشكيله بمعزل عن السكان؛ إذ لم يعد نهج التطوير من أعلى إلى أسفل كافيًا، بل باتت المشاركة المجتمعية من الأسفل إلى الأعلى – عبر تمكين المجتمعات المحلية، وتعزيز القيادات الشعبية، والإصغاء إلى الآراء المتنوعة – هي الأساس الذي تقوم عليه المدن التي لا تكتفي بالنمو، وإنما تطمح إلى الازدهار.
والتحدي الذي يلوح في الأفق هو التأكد من تصميم المدن بحيث لا تلبي احتياجات السكان الحاليين فقط، بل والأجيال القادمة أيضًا. ومع إعادة تشكيل أنماط الحياة الحضرية من خلال دمج الذكاء الاصطناعي والأتمتة ونماذج العيش المختلط، يجب على المدن أن تستعد لهذه التحولات دون التفريط بالتماسك الاجتماعي، ومفتاح ذلك يكمن في وضع سياسات استباقية تحتضن الابتكار دون أن تغفل الاحتياجات الإنسانية.
وقد كانت العمدة أندرسون محقة حين أجملت ذلك قائلة: "علينا أن نُسرع في مواكبة التقنية ... لكن علينا أن نصطحب الجميع معنا في هذه الرحلة." إن مدينة المستقبل هي التي تُوازن بين القدرة على الاستشراف والنظرة الإنسانية، وبين التقدم ونبل الهدف.
شارِكْنا الحوار ضمن فعاليات معرض سيتي سكيب العالمي 2025
مستقبل المدن المتمحورة حول الإنسان هو حوارٌ يتطلب تضافر الجهود العالمية، وسيكون معرض سيتي سكيب العالمي 2025 بمثابة ملتقى يجمع المطورين والمعماريين وصناع السياسات ومخططي المدن لبحث ومناقشة الاستراتيجيات المبتكرة لبناء مدن صالحة للعيش ومحتضنة للجميع ومتأهبة للمستقبل، فانضم إلى الحوار خلال الفترة من 17 إلى 20 نوفمبر 2025 وكن جزءًا من صياغة مدن الغد.